الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )
خاتمة 54
تنقيح المقال في علم الرجال ( ط . ق )
في المسلم المستور وإشاعة الفاحشة في الّذين امنوا اللّازمين لذكر الجرح في الرّواة وجوّز والذلك هذا البحث ووجه الأهميّة ظاهر فانّ فيه صيانة الشّريعة المطهّرة من ادخال ما ليس منها فيها ونفيا للخطأ والكذب عنها وقد روى انّه قيل لبعض العلماء اما تخشى ان يكون هؤلاء الّذين تركت حديثهم خصمائك عند اللّه يوم القيمة فقال لئن يكونوا خصمائى احبّ الّى من أن يكون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله خصمي يقول لي لم لم تذب الكذب عن حديثي وروى انّ بعضهم سمع من بعض العلماء شيئا من ذلك فقال يا شيخ لا تغتاب العلماء فقال له ويحك هذه نصيحة وليست غيبة وقد ادّعى غير واحد من الأواخر الإجماع على استثنائه من حرمة الغيبة واستدلّوا على ذلك مضافا اليه باهميّة مصلحة حفظ احكام اللّه تعالى عن الضّياع من مفسدة الغيبة وبالأخبار الواردة عنهم عليهم السّلام في ذمّ جملة من الرّواة وبيان فسقهم وكذبهم ونحو ذلك فالجواز ممّا لا شبهة فيه بل هو من فروض الكفايات كأصل المعرفة بالحديث نعم يجب على المتكلّم في ذلك التثبّت في نظره وجرحه لئلا يقدح في برء غير مجروح بما ظنّه جرحا فيجرح سليما ويسم بريئا بسمة سوء يبقى عليه الدّهر عارها فقد أخطأ في ذلك غير واحد فطعنوا في أكابر من الرّواة اسنادا إلى طعن ورد فيهم له محمل كما لا يخفى على من راجع كتب الرّجال المبسوطة ولقد أجاد في البداية حيث قال بعد التّنبيه على ذلك انّه ينبغي للماهر في هذه الصّناعة ومن رهبه اللّه أحسن بضاعة تدبّر ما ذكروه ومراعاة ما قرّروه فلعلّه يظفر بكثير ممّا اهملوه ويطّلع على توجيه في المدح والقدح قد أغفلوه كما اطّلعنا عليه كثيرا ونبّهنا عليه في مواضع كثيرة وضعناها على كتب القوم خصوصا مع تعارض الأخبار في الجرح والمدح فانّه وقع لكثير من أكابر الروّاة وقد أودعه الكشي في كتابه من غير ترجيح وتكلّم من بعده في ذلك فاختلفوا في ترجيح ايهّما على الأخر اختلافا كثيرا فلا ينبغي لمن قدر على البحث تقليدهم في ذلك بل ينفق ممّا اتاه اللّه تعالى فلكلّ مجتهد نصيب فانّ طريق الجمع بينها ملتبس على كثير حسب اختلاف طرقه وأصوله في العمل بالأخبار الصّحيحة والحسنة والموثّقة وطرحها أو بعضها فرّبما لم يكن في أحد الجانبين حديث صحيح فلا يحتاج إلى البحث عن الجمع بينها بل يعمل بالصّحيح خاصّة حيث يكون ذلك من أصول الباحث وربّما يكون بعضها صحيحا ونقيضه حسنا أو موثّقا ويكون من أصله العمل بالجميع وبجمع بينهما بما لا يوافق أصل الباحث الأخر ونحو ذلك وكثيرا ما يتّفق لهم التعديل بما لا يصلح تعديلا أو يجرحون بما لا يكون جرحا فلذلك يلزم المجتهد بذل الوسع في ذلك وإذ قد عرفت المقدّمة فاعلم انّ هنا جهات من الكلام الأولى انّهم قد ذكروا شروطا لقبول خبر الواحد في الرّاوى واشتراطا غلبها مبنى على اعتبار الخبر من الأدلّة الخاصّة وامّا بناء على اعتباره من باب مطلق الظن أو من باب الأطمينان فلا وجه لاعتبار غير العقل والضّبط بل المدار ح على حصول الظنّ على الأوّل والأطمينان على الثّانى وتوهم انّ اعتبار تلك الشّرائط على هذا المبنى انّما هو للتّنبيه على انّ الخالي عن المذكورات لا يفيد الظنّ أو الأطمينان أو لبيان مراتب الظن أو الاطمينان أو لاثبات تحريم العمل بالخالى عن الشّرائط كالقياس كما ترى ضرورة كون حصول الأطمينان من خبر الفاسق والمخالف في جملة من المقامات وان لم يحتف بقرائن قطعيّة وجدانيا وتحريم العمل بالأطمينان العادي الّذى على العمل به اتّفاق العقلاء لا يحتمله أحد نعم تحريم العمل بمطلق الظنّ الغير البالغ حدّ الأطمينان موجّه كما برهن عليه في محلّه وكيف كان فالاوّل من الشّروط الّتى اعتبروها في الرّاوى الاسلام فانّ المشهور اعتباره بل نقل في البداية اتّفاق ائمّة الحديث والأصول الفقهيّة عليه فلا تقبل رواية الكافر مط سواء كان من غير أهل القبلة كاليهود والنصارى أو من أهل القبلة كالمجسّمة والخوارج والغلاة عند من يكفّرهم والظّاهر انّ القسم الأوّل وهو غير أهل القبلة محلّ الاتفاق وامّا الثاني ففيه خلاف وقد حكى عن أبي الحسين من العامّة قبول روايته ان كان مذهبه تحريم الكذب وعدم القبول ان لم يكن مذهبه ذلك وقد ادعى السيّد عميد الدّين في منية اللّبيب في شرح التّهذيب الإجماع على عدم قبول رواية غير أهل القبلة من الكفّار سواء كان من مذهبه تحريم الكذب أو لم يكن قيل وأبو حنيفة وان كان يقبل شهادة الذمّى على مثله للضرورة صيانة للحقوق إذا كثر معاملاتهم لا يحضرها مسلمان الّا انّه صرّح بعدم قبول روايته فلم يكن قادحا في الاجماع وكيف كان فقد استدلّ جمع منهم ثاني الشّهيدين في البداية على عدم القبول بوجوه أحدها ما في البداية وغيره من انّه يجب التثّبت عند خبر الفاسق فيلزم عدم اعتبار خبر الكافر بطريق أولى إذ يشمل الفاسق الكافر وقبول شهادته في الوصيّة مع انّ الرّواية أضعف من الشّهادة بنصّ خاص فيبقى العام معتبرا في الباقي وأقول لا يخفى عليك انّ بين قوله في البداية فيلزم اه وقوله إذ يشمل اه تهافتا فانّ ظاهر الأوّل عدم شمول الفاسق في الأية للكافر وان الاستدلال بها بمؤنة الأولويّة وظاهر الثّانى شمول لفظ الفاسق للكافر فيندرج تحت الأية على انّه يمكن المناقشة في الأوّل بمنع الأولويّة فان الفاسق انّما يقبل روايته لما علم من اجترائه على فعل المحرمّات مع اعتقاد تحريمها وهذا المعنى غير متحقّق في حقّ الكافر إذا كان عدلا في دينه معتقدا لتحريم الكذب ممتنعا منه حسب امتناع العدل المسلم منه ويتّجه على الثّانى ما في مسالكه من منع دلالة اية النباء على اشتراط الإسلام في الشّاهد معللا بانّ الفسق انّما يتحقّق بفعل المعصية المخصوصة مع العلم بكونه معصية امّا مع عدمه بل مع اعتقاد انّه طاعة بل من امّهات الطّاعات فلا إلى أن قال والحقّ انّ العدالة تتحقق في جميع أهل الملل مع قيامهم بمقتضاها بحسب اعتقادهم ويحتاج في اخراج بعض الأفراد إلى الدليل وان كان يردّ ما ذكره تصريح جمع منهم الشّيخ في ف وط وأبو الصّلاح وغيرهما بصدق الفاسق على الكافر حقيقة لغة وشرعا فانّ الكافر يحكم بغير ما انزل اللّه تعالى وقد قال تعالى ومن لم يحكم بما انزل اللّه فأولئك هم الفاسقون ثانيها انّ الكافر ظالم وكل ظالم لا يجوز قبول خبره فالكافر لا يجوز قبول خبره امّا الصّغرى فلانّه لا يحكم بما انزل اللّه تعالى وكلّ من كان كذلك فهو ظالم لقوله تعالى ومن لم يحكم بما انزل اللّه فأولئك هم الظّالمون ولا يختصّ هذا بمن نزل فيه وهم اليهود لأنّ العبرة بعموم الجواب لا خصوص المورد وامّا الكبرى فلعموم قوله تعالى وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ولا ريب في كون قبول روايته ركونا اليه لكن يمكن التأمّل في صدق الرّكون على قبول خبره كما يأتي ثالثها فحوى ما دلّ على عدم قبول شهادة الكافر وعدم جواز الوصيّة وفي تماميّة الفحوى نظر رابعها انّ قبول خبر الكافر يستلزم المساواة بينه وبين المسلم وقد نفى اللّه تعالى المساواة بقوله عزّ من قائل أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ وقال اللّه تعالى لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ وأنت خبير بعدم شمول المساواة المنفية لمثل ذلك احتجّ أبو الحسين لقبول رواية أهل القبلة من الكفّار كالخوارج والفلاة بانّ أصحاب الحديث قبلوا اخبار السّلف كالحسن البصري وقتادة وعمرو بن عبيدة مع عملهم بمذهبهم واعتقادهم كفر القائل بذلك المذهب وردّ أولا بالمنع من قبول أصحاب الحديث رواية من يعتقدون بكفره منهم وثانيا بانّ المراد إن كان مجموع أصحاب الحديث بحيث يكون ذلك اجماعا منهم منعناه لوضوح انّ المشهور بينهم عدم القبول وان كان البعض لم يكن قبوله حجّة الثّانى العقل فلا يقبل خبر المجنون اجماعا حكاه جماعة ويدلّ عليه عدم الأطمينان والوثوق بخبره مضافا إلى رفع القلم عنه حتّى يفيق وفحوى عدم قبول شهادته وعدم صحّة توكيله والوصيّة اليه والظّاهر انصراف اطلاق جمع إلى المطبق ضرورة عدم المانع من قبول خبر الأدواري حال افاقته التّامّة إذا انتفى عنه اثر الجنون بالمرّة واجتمعت بقيّة شرائط قبول الرّواية لوجود الوثوق ح وثبوت القلم عليه نعم يعتبر الأطمينان بافاقته ولا يكفى الظنّ به على الأظهر لعدم الدّليل على حجيّته حتى يرفع اليد به عن الأستصحاب ويلحق بالمجنون السّكران والنّائم والمغمى عليه